مركز الثقافة والمعارف القرآنية
129
علوم القرآن عند المفسرين
اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، وجعلوا قوله تعالى : يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ في موضع الحال « 1 » كما قال : الريح يبكي شجوها * والبرق يلمع في غمامه « 2 » أي البرق يبكي لامعا ، وقوي ذلك بقراءة ابن مسعود - فيما قيل - : ( ويقولون آمنا به ) بالواو - وعامة أعيان الصحابة « 3 » وكثير من المفسرين بعدهم ، ذهبوا إلى أنه يصح أن يكون في القرآن بعض ما لا يعلم تأويله إلا اللّه ، قال ابن عباس : « أنزل القرآن على أربعة أوجه : وجه حلال وحرام لا يسع أحدا جهالته . ووجه يعرفه العرب . ووجه تأويله يعلمه العالمون . ووجه لا يعلم تأويله إلا اللّه ، ومن انتحل فيه علما فقد كذب » . « 4 » وحمل الآية على أحد وجوه ثلاثة :
--> ( 1 ) وقد استبعد الشيخ محمد الأمين الشنقيطي [ واو ] الحالية هنا وقال : « المعروف في اللغة العربية أن الحال قيد لعاملها ووصف لصاحبها ، فيشكل هنا تقييد هذا العامل الذي هو « يعلم » بهذه الحال التي هي « يَقُولُونَ آمَنَّا » إذ لا وجه لتقييد علم الراسخين بتأويله بقولهم « آمَنَّا بِهِ » ، لأن مفهومه أنهم في حال عدم قولهم « آمَنَّا بِهِ » لا يعلمون تأويله ، وهو باطل ، وهذا الإشكال قوي ، وفيه الدلالة على منع الحالية في جملة « يقولون » - على القول بالعطف » ثم يقول الشيخ الأمين : « وإذا كانت جملة « يقولون » لا يصح أن تكون لما ذكرنا فما وجه إعرابها - على القول بأن الواو عاطفة ؟ الجواب - واللّه تعالى أعلم - أنها معطوفة بحرف محذوف . والعطف بالحرف المحذوف أجازه ابن مالك وجماعة من علماء العربية ، والتحقيق جوزه وله ليس مختصا بضرورة الشعر كما زعم بعض علماء العربية ، والدليل على جوازه وقوعه في القرآن وفي كلام العرب . فمن أمثلته في القرآن : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ فإنه معطوف بلا شك على قوله وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ بالحرف المحذوف الذي هو الواو ، ويدل له إثبات الواو في نظيره في سورة القيامة : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ الآية ، وقوله تعالى في « عبس » : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ، عن أضواء البيان : ج 1 ص 273 - 274 . ( 2 ) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري من قصيدة مطلعها : أصرمت حبلك من أمامه * من بعد أيام برامه فالريح تبكي شجوها * والبرق يلمع في الغمامة ( 3 ) منهم : عمرو ابن عباس - في أقوى الروايتين - وعائشة وعروة ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز وابن مسعود وأبي بن كعب نقله عنهم القرطبي وغيره . ونقله ابن جرير عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس ، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد . ( 4 ) قال في الإتقان : ج 4 ص 188 - 189 : « وقد أخرج ابن جرير وغيره من طرق عن ابن عباس ، قال : التفسير أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير تعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا اللّه تعالى . ثم رواه مرفوعا بسند ضعيف بلفظ : « أنزل القرآن على أربعة أحرف : حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير تفسره العرب ، وتفسير تفسره العلماء ، ومتشابه لا يعلمه إلا اللّه تعالى . ومن ادعى علمه سوى اللّه تعالى فهو كاذب » .